فصل: شروط التّحكيم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


تحصّن

التّعريف

1 - من معاني التّحصّن في اللّغة والاصطلاح‏:‏ الدّخول في الحصن والاحتماء به، وفي القاموس‏:‏ الحصن، كلّ موضع حصين لا يتوصّل إلى ما في جوفه، وفي المصباح‏:‏ هو المكان الّذي لا يقدر عليه لارتفاعه، والجمع حصون‏.‏ وحصّن القرية تحصيناً بنى حولها ما يحصّنها من سور أو نحوه‏.‏

ويستعمل التّحصّن أيضاً بمعنى‏:‏ التّعفّف عن الرّيب، ومنه قيل للمتعفّفة ‏(‏حصان‏)‏‏.‏

قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تُكْرِهوا فتياتِكم على البِغَاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّناً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

2 - التّحصّن من الكفّار المحاربين - إن جاءوا لقتال المسلمين - جائز شرعاً، سواء أكان المسلمون في الحصن أقلّ من نصف الكفّار أو أكثر، وذلك ليلحقهم مدد وقوّة من بلاد المسلمين المجاورة ليشدّوا أزرهم، فيكثر عددهم ويخشاهم عدوّهم، ولا يلحق المسلمين بتحصّنهم إثم الفرار من الزّحف، لأنّ الإثم منوط بمن فرّ بعد لقاء المحاربين غير متحرّف لقتال، ولا متحيّزاً إلى فئة، وإن لقوهم خارج الحصن فلهم التّحيّز إلى الحصن، لأنّه بمنزلة التّحرّف للقتال أو التّحيّز إلى فئة، وهذا بلا خلاف‏.‏

وإن كان الكفّار المحاربون في بلادهم مستقرّين غير قاصدين الحرب، فحينئذ ينبغي للمسلمين أن يحتاطوا بإحكام الحصون والخنادق وشحنها بمكافئين لهم، وتقليد ذلك للمؤتمنين من المسلمين والمشهورين بالشّجاعة‏.‏ والتّفصيل موطنه مصطلح‏:‏ ‏(‏جهاد‏)‏‏.‏

3 - ويجوز أيضاً للمسلمين التّحصّن بالخنادق كما «فعل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في غزوة الخندق حينما جاء الأحزاب لقتاله حول المدينة»‏.‏ وإليه يشير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمَنُوا اذْكُروا نعمةَ اللّهِ عليكم إذْ جاءَتْكم جنودٌ فأَرْسَلنا عليهم ريحاً وجُنُوداً لم تَرَوْها، وكان اللّهُ بما تعملون بصيراً‏.‏ إذْ جاءوكم مِنْ فوقِكم ومِنْ أسفلَ منكم وإذْ زَاغَتِ الأبصارُ وبلغتِ القلوبُ الحناجِرَ وتَظُنّونَ باللّهِ الظّنُوْنَا‏}‏ وقد «شارك رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في حفر الخندق بنفسه مع أصحابه»‏.‏

4 - ومثل التّحصّن بالحصون والخنادق‏:‏ التّحصّن بكلّ ما يحمي المسلمين من مفاجأة العدوّ لهم من الوسائل الّتي تتنوّع بحسب أنواع الخطر‏.‏ وهذا يختلف باختلاف العصور والأمكنة‏.‏

تحصين

انظر‏:‏ إحصان، جهاد‏.‏

تحقّق

انظر‏:‏ تثبّت‏.‏

تحقير

التّعريف

1 - من معاني التّحقير في اللّغة‏:‏ الإذلال والامتهان والتّصغير‏.‏ وهو مصدر حقّر، والمحقّرات‏:‏ الصّغائر‏.‏ ويقال‏:‏ هذا الأمر محقرة بك‏:‏ أي حقارة‏.‏

والحقير‏:‏ الصّغير الذّليل‏.‏ تقول‏:‏ حقّر حقارةً، وحقّره واحتقره واستحقره‏:‏ إذا استصغره ورآه حقيراً‏.‏ وحقّره‏:‏ صيّره حقيراً، أو نسبه إلى الحقارة‏.‏ وحَقُر الشّيء حقارةً‏:‏ هان قدره فلا يعبأ به، فهو حقير‏.‏ وهو في الاصطلاح لا يخرج عن هذا‏.‏

الحكم الإجمالي

للتّحقير أحكام تعتريه‏:‏

2 - فتارةً يكون حراماً منهيّاً عنه‏:‏ كما في تحقير المسلم للمسلم استخفافاً به وسخريةً منه وامتهاناً لكرامته‏.‏ وفي هذا قول اللّه تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا لا يسخرْ قومٌ مِنْ قومٍ عسى أنْ يكونُوا خيراً منهم، ولا نساءٌ مِنْ نساءٍ عسى أنْ يَكُنَّ خيراً منهنَّ، ولا تَلْمِزُوا أنفسَكم ولا تَنَابَزُوا بالألقابِ بئسَ الاسمُ الفُسوقُ بعدَ الإِيمانِ ومَنْ لم يتُبْ فأولئك هم الظّالمون‏}‏ ونحوها من الآيات‏.‏ وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تَحَاسدوا ولا تَنَاجشوا ولا تَبَاغضوا ولا تدابروا، ولا يَبِعْ بعضُكم على بيعِ بعض، وكونوا عبادَ اللّهِ إخواناً المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقّره التّقوى هاهنا‏.‏ ويشير إلى صدره ثلاث مرّات بحسب امرئ من الشّرِّ أنْ يحقِرَ أخاه المسلمَ‏.‏ كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ دمُه ومالُه وعرضُه»‏.‏

وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقالُ ذرّةٍ من كِبْر‏.‏ فقال رجل‏:‏ إنَّ الرّجلَ يحبّ أن يكون ثوبُه حسناً ونعلُه حسنةً‏.‏ قال‏:‏ إنَّ اللّهَ جميلٌ يحبّ الجمال‏.‏ الكبر بَطَر الحقِّ وغَمْطُ النّاس» وفي رواية «وغمص النّاس»، وبطر الحقّ‏:‏ هو دفعه وإبطاله، والغمط والغمص معناهما واحد، وهو‏:‏ الاحتقار‏.‏

قال القرطبيّ في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏بئس الاسمُ الفسوقُ بعدَ الإِيمان‏}‏ قيل معناه‏:‏ من لقّب أخاه أو سخر به فهو فاسق‏.‏ قال ابن حجر الهيتميّ‏:‏ السّخرية‏:‏ الاستحقار والاستهانة والتّنبيه على العيوب والنّقائص يوم يضحك منه، وقد يكون بالمحاكاة بالفعل أو القول أو الإشارة أو الإيماء، أو الضّحك على كلامه إذا تخبّط فيه أو غلط، أو على صنعته، أو قبيح صورته‏.‏

فمن ارتكب شيئاً من التّحقير ممّا هو ممنوع كان قد ارتكب محرّماً يعزّر عليه شرعاً تأديباً له‏.‏ وهذا التّعزير مفوّض إلى رأي الإمام، وفق ما يراه في حدود المصلحة وطبقاً للشّرع، كما هو مبيّن في مصطلح ‏(‏تعزير‏)‏، لأنّ المقصود منه الزّجر، وأحوال النّاس فيه مختلفة، فلكلّ ما يناسبه منه‏.‏ وهذا إن قصد بهذه الأمور التّحقير‏.‏ أمّا إن قصد التّعليم أو التّنبيه على الخطأ أو نحو ذلك - ولم يقصد تحقيراً - فلا بأس به، فيعرف قصده من قرائن الأحوال‏.‏

3 - هذا وقد يصل التّحقير المحرّم إلى أن يكون ردّةً، وذاك إذا حقّر شيئاً من شعائر الإسلام، كتحقير الصّلاة والأذان والمسجد والمصحف ونحو ذلك، قال اللّه تعالى في وصف المنافقين ‏{‏ولئنْ سألتَهم لَيقولُنَّ إنّما كنَّا نخوضُ ونلعبُ قل أباللّهِ وآياتِه ورسولِه كنتم تستهزئون‏.‏ لا تعتذروا قد كفرتمْ بعدَ إيمانكم‏}‏، وقال تعالى فيهم أيضاً‏:‏ ‏{‏وإذا ناديتمْ إلى الصّلاةِ اتَّخذوها هُزُواً وَلَعِبَاً‏}‏‏.‏ ونقل في فتح العليّ لمالك‏:‏ أنّ رجلاً كان يزدري الصّلاة، وربّما ازدرى المصلّين وشهد عليه ملأ كثير من النّاس، منهم من زكّى ومنهم من لم يزكّ‏.‏ فمن حمله على الازدراء بالمصلّين لقلّة اعتقاده فيهم فهو من سباب المسلم، فيلزمه الأدب على قدر اجتهاد الحاكم‏.‏ ومن يحمله على ازدراء العبادة فالأصوب أنّه ردّة، لإظهاره إيّاه وشهرته به، لا زندقة، ويجري عليه أحكام المرتدّ‏.‏

4 - وقد يكون التّحقير واجباً‏:‏ كما هو الحال فيمن فرضت عليه الجزية من أهل الكتاب‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قاتِلوا الّذينَ لا يُؤْمنون باللّهِ ولا باليومِ الآخرِ ولا يُحرِّمون ما حَرَّمَ اللّهُ ورسولُه ولا يَدِينونَ دينَ الحقِّ من الّذين أُوتوا الكتابَ حتّى يُعْطُوا الجِزيةَ عن يَدٍ وهم صاغرون‏}‏ أي ذليلون حقيرون مهانون‏.‏ وقد اختلف الفقهاء فيما يحصل به الصّغار عند إعطائهم الجزية‏.‏ انظر مصطلح ‏(‏أهل الذّمّة، وجزية‏)‏‏.‏

التّعزير بما فيه تحقير

5 - من ضروب التّعزير‏:‏ التّوبيخ، وهو نوع من التّحقير‏.‏ واستدلّ الفقهاء على مشروعيّة التّوبيخ في التّعزير بالسّنّة فقد، «روى أبو ذرّ رضي الله عنه أنّه سابّ رجلاً فعيّره بأمّه، فقال الرّسول صلى الله عليه وسلم يا أبا ذرّ‏:‏ أَعَيَّرْتَه بأمِّه‏؟‏ إنّك امرؤ فيك جاهليّةٌ»‏.‏

«وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ليّ الواجد يحلّ عرضه وعقوبته»‏.‏

وقد فسّر النّيل من العرض بأن يقال له مثلاً‏:‏ يا ظالم‏.‏ يا معتدي‏.‏ وهذا نوع من التّعزير بالقول، وقد جاء في تبصرة الحكّام لابن فرحون‏:‏ وأمّا التّعزير بالقول فدليله ما ثبت في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أتي برجل قد شرب فقال‏:‏ اضربوه فقال أبو هريرة فمنّا الضّارب بيده، ومنّا الضّارب بنعله، والضّارب بثوبه»‏.‏ وفي رواية «بكّتوه فأقبلوا عليه يقولون‏:‏ ما اتّقيت اللّه‏؟‏ ما خشيت اللّه‏؟‏ ما استحييت من رسول اللّه صلى الله عليه وسلم»‏؟‏

وهذا التّبكيت من التّعزير بالقول‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ تعزير‏)‏‏.‏

6- قد يكون التّحقير بالفعل‏:‏ كما هو الحال في تجريس شاهد الزّور، فإنّ تجريسه هو إسماع النّاس به، وهو تشهير، وإذا كان تشهيراً كان تعزيراً‏.‏ فقد ورد في التتارخانية في التّشهير بشاهد الزّور‏:‏ قال أبو حنيفة في المشهور‏:‏ يطاف به ويشهر ولا يضرب، وفي السّراجيّة‏:‏ وعليه الفتوى‏.‏ وفي جامع العتّابيّ‏:‏ التّشهير أن يطاف به في البلد وينادى عليه في كلّ محلّة‏:‏ إنّ هذا شاهد الزّور فلا تشهدوه‏.‏ وذكر الخصّاف في كتابه أنّه يشهر على قولهما بغير الضّرب، والّذي روي عن عمر أنّه كان يسخّم وجهه فتأويله عند السّرخسيّ أنّه بطريق السّياسة إذا رأى المصلحة، وعند الشّيخ الإمام أنّه التّفضيح والتّشهير، فإنّه يسمّى سواداً‏.‏ ونقل عن شريح رحمه الله أنّه كان يبعث بشاهد الزّور إلى سوقه إن كان سوقيّاً، وإلى قومه إن كان غير سوقيّ بعد العصر أجمع ما كانوا، ويقول آخذه‏:‏ إنّ شريحاً يقرأ عليكم السّلام ويقول‏:‏ إنّا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه وحذّروا النّاس منه‏.‏

تحقيق المناط

التّعريف

1 - حقّق الأمر‏:‏ تيقّنه أو جعله ثابتاً لازماً‏.‏ والمناط‏:‏ موضع التّعليق‏.‏

ومناط الحكم عند الأصوليّين‏:‏ علّته وسببه‏.‏ وتحقيق المناط عند الأصوليّين‏:‏ هو النّظر والاجتهاد في معرفة وجود العلّة في آحاد الصّور، بعد معرفة تلك العلّة بنصّ أو إجماع أو استنباط، فإثبات وجود العلّة في مسألة معيّنة بالنّظر والاجتهاد هو تحقيق المناط‏.‏

فمثال ما إذا كانت العلّة معروفةً بالنّصّ‏:‏ جهة القبلة، فإنّها مناط وجوب استقبالها، وهي معروفة بالنّصّ، وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحيثما كُنتم فَوَلُّوا وجوهَكم شَطْرَهُ‏}‏ وأمّا كون جهة ما هي جهة القبلة في حالة الاشتباه فمظنون بالاجتهاد والنّظر في الأمارات‏.‏

ومثال ما إذا كانت العلّة معلومةً بالإجماع‏:‏ العدالة، فإنّها مناط وجوب قبول الشّهادة، وهي معلومة بالإجماع، وأمّا كون هذا الشّخص عدلاً فمظنون بالاجتهاد‏.‏

ومثال ما إذا كانت العلّة مظنونةً بالاستنباط‏:‏ الشّدّة المطربة، فإنّها مناط تحريم الشّرب في الخمر، فالنّظر في معرفتها في النّبيذ هو تحقيق المناط، وسمّي تحقيق المناط، لأنّ المناط وهو الوصف علم أنّه مناط، وبقي النّظر في تحقيق وجوده في الصّورة المعيّنة‏.‏

الحكم الإجمالي

2 - تحقيق المناط مسلك من مسالك العلّة، والأخذ به متّفق عليه‏.‏ وقد يعتبر تحقيق المناط من قياس العلّة‏.‏ وقال الغزاليّ‏:‏ هذا النّوع من الاجتهاد لا خلاف فيه بين الأمّة، والقياس مختلف فيه، فكيف يكون هذا قياساً‏؟‏‏.‏ وتحقيق المناط يحتاج إليه المجتهد والقاضي والمفتي في تطبيق علّة الحكم على آحاد الوقائع‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ‏.‏

تحكيم

التّعريف

1 - التّحكيم في اللّغة‏:‏ مصدر حكّمه في الأمر والشّيء، أي‏:‏ جعله حكماً، وفوّض الحكم إليه‏.‏ وفي التّنزيل العزيز‏:‏ ‏{‏فلا وربِّك لا يُؤْمنونَ حتّى يُحَكِّمُوك فيما شَجَرَ بينهم‏}‏‏.‏

وحكّمه بينهم‏:‏ أمره أن يحكم بينهم‏.‏ فهو حكم، ومحكّم‏.‏

وأمّا الحديث الشّريف‏:‏ «إنّ الجنّة للمحكَّمين» فالمراد به الّذين يقعون في يد العدوّ، فيخيّرون بين الشّرك والقتل، فيختارون القتل ثباتاً على الإسلام‏.‏

وفي المجاز‏:‏ حكّمت السّفيه تحكيماً‏:‏ إذا أخذت على يده، أو بصّرته ما هو عليه‏.‏ ومنه قول النّخعيّ رحمه الله تعالى‏:‏ حكّم اليتيم كما تحكّم ولدك‏.‏ أي‏:‏ امنعه من الفساد كما تمنع ولدك وقيل‏:‏ أراد حكمه في ماله إذا صلح كما تحكّم ولدك‏.‏

ومن معاني التّحكيم في اللّغة‏:‏ الحكم‏.‏ يقال‏:‏ قضى بين الخصمين، وقضى له، وقضى عليه‏.‏ وفي الاصطلاح‏:‏ التّحكيم‏:‏ تولية الخصمين حاكماً يحكم بينهما‏.‏ وفي مجلّة الأحكام العدليّة‏:‏ التّحكيم عبارة عن اتّخاذ الخصمين حاكماً برضاهما لفصل خصومتهما ودعواهما‏.‏ ويقال لذلك‏:‏ حكم بفتحتين، ومحكّم بضمّ الميم، وفتح الحاء، وتشديد الكاف المفتوحة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - القضاء‏:‏

2 - من معانيه في اللّغة‏:‏ الحكم، وهو في اصطلاح الفقهاء‏:‏ تبيين الحكم الشّرعيّ والإلزام به، وفصل الخصومة‏.‏

وعلى هذا فكلّ من التّحكيم والقضاء وسيلة لفضّ النّزاع بين النّاس وتحديد صاحب الحقّ، ولهذا اشترط الفقهاء في كلّ منهما صفات متماثلةً‏.‏ كما سنرى بعد قليل‏.‏

إلاّ أنّ بينهما فوارق جوهريّةً تتجلّى في أنّ القضاء هو الأصل في هذا المقام، وأنّ التّحكيم فرع، وأنّ القاضي هو صاحب ولاية عامّة، فلا يخرج عن سلطة القضاء أحد، ولا يستثنى من اختصاصه موضوع‏.‏ أمّا تولية الحكم فتكون من القاضي أو من الخصمين وفق الشّروط والقيود الّتي توضع له، مع ملاحظة أنّ هناك أموراً ليست محلّاً للتّحكيم، كما سنرى‏.‏

ب - الإصلاح‏:‏

3 - الإصلاح في اللّغة‏:‏ نقيض الإفساد‏.‏ يقال‏:‏ أصلح‏:‏ إذا أتى بالخير والصّواب‏.‏ وأصلح في عمله، أو أمره‏:‏ أتى بما هو صالح نافع‏.‏ وأصلح الشّيء‏:‏ أزال فساده‏.‏

وأصلح بينهما، أو ذات بينهما، أو ما بينهما‏:‏ أزال ما بينهما من عداوة ونزاع برضا الطّرفين‏.‏ وفي، القرآن المجيد‏:‏ ‏{‏وإنْ طائفتانِ من المؤمنينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينَهما، فإنْ بَغَتْ إحداهُما على الأخرى فقاتِلوا الّتي تبغي حتّى تَفِيء إلى أمرِ اللّهِ، فإنْ فاءَتْ فأصلِحوا بينهما بالعدلِ وأَقْسِطُوا إنَّ اللّهَ يُحِبُّ المقسِطِين‏}‏‏.‏

فالإصلاح والتّحكيم يفضّ بهما النّزاع، غير أنّ الحكم لا بدّ فيه من تولية من القاضي أو الخصمين، والإصلاح يكون الاختيار فيه من الطّرفين أو من متبرّع به‏.‏

الحكم التّكليفيّ

التّحكيم مشروع‏.‏ وقد دلّ على ذلك الكتاب والسّنّة والإجماع‏.‏

4 - أمّا الكتاب الكريم فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإنْ خِفْتُم شِقَاقَ بينهما فابْعَثُوا حَكَمَاً من أهلِه وحَكَمَاً من أهلِها، إنْ يُرِيدا إصلاحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بينهما‏}‏‏.‏

قال القرطبيّ‏:‏ إنّ هذه الآية دليل إثبات التّحكيم‏.‏

5- وأمّا السّنّة المطهّرة، «فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رضي بتحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه في أمر اليهود من بني قريظة، حين جنحوا إلى ذلك ورضوا بالنّزول على حكمه»‏.‏ «وإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم رضي بتحكيم الأعور بن بشامة في أمر بني العنبر، حين انتهبوا أموال الزّكاة»‏.‏

وفي الحديث الشّريف «أنّ أبا شريح هانئ بن يزيد رضي الله عنه لمّا وفد إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مع قومه، سمعهم يكنّونه بأبي الحكم‏.‏ فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّ اللّه هو الحَكَم‏.‏ وإليه الحُكْمُ، فلم تكنّى أبا الحكم‏؟‏ فقال‏:‏ إنّ قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين‏.‏ فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ما أحسن هذا‏.‏ فما لك من الولد‏؟‏ قال‏:‏ لي شريح، ومسلم، وعبد اللّه‏.‏ قال‏:‏ فما أكبرهم‏؟‏ قلت‏:‏ شريح‏.‏ قال‏:‏ أنت أبو شريح‏.‏ ودعا له ولولده»‏.‏

6- أمّا الإجماع، فقد كان بين عمر وأبيّ بن كعب رضي الله عنهما منازعة في نخل، فحكّما بينهما زيد بن ثابت رضي الله عنه‏.‏

واختلف عمر مع رجل في أمر فرس اشتراها عمر بشرط السّوم، فتحاكما إلى شريح‏.‏

كما تحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم رضي الله عنهم، ولم يكن زيد ولا شريح ولا جبير من القضاة‏.‏ وقد وقع مثل ذلك لجمع من كبار الصّحابة، ولم ينكره أحد فكان إجماعاً‏.‏

7- وبناءً على ذلك ذهب الفقهاء إلى جواز التّحكيم‏.‏ إلاّ أنّ من الحنفيّة من امتنع عن الفتوى بذلك، وحجّته‏:‏ أنّ السّلف إنّما يختارون للحكم من كان عالماً صالحاً ديّناً، فيحكم بما يعلمه من أحكام الشّرع، أو بما أدّى إليه اجتهاد المجتهدين‏.‏ فلو قيل بصحّة التّحكيم اليوم لتجاسر العوامّ، ومن كان في حكمهم إلى تحكيم أمثالهم، فيحكم الحكم بجهله بغير ما شرع اللّه تعالى من الأحكام، وهذا مفسدة عظيمة، ولذلك أفتوا بمنعه‏.‏

وقال أصبغ من المالكيّة‏:‏ لا أحبّ ذلك، فإن وقع مضى‏.‏ ومنهم من لم يجزه ابتداءً‏.‏

ومن الشّافعيّة من قال بعدم الجواز، ومنهم من قال بالجواز إذا لم يكن في البلد قاض‏.‏ ومنهم من قال بجوازه في المال فقط‏.‏ ومهما يكن فإنّ جواز التّحكيم هو ظاهر مذهب الحنفيّة والأصحّ عندهم، والأظهر عند جمهور الشّافعيّة‏.‏ وهو مذهب الحنابلة‏.‏

أمّا المالكيّة‏:‏ فظاهر كلامهم نفاذه بعد الوقوع‏.‏

8- وطرفا التّحكيم هما الخصمان اللّذان اتّفقا على فضّ النّزاع به فيما بينهما، وكلّ منهما يسمّى المحكّم بتشديد الكاف المكسورة‏.‏

وقد يكون الخصمان اثنين، وقد يكونان أكثر من ذلك‏.‏

9- والشّرط في طرفي التّحكيم الأهليّة الصّحيحة للتّعاقد الّتي قوامها العقل، إذ بدونها لا يصحّ العقد‏.‏ ولا يجوز لوكيلٍ التّحكيمُ من غير إذن موكّله، وكذلك الصّغيرُ المأذون له في التّجارة من غير إذن وليّه، ولا يجوز التّحكيم من عامل المضاربة إلاّ بإذن المالك، ولا من الوليّ والوصيّ والمحجور عليه بالإفلاس إذا كان ذلك يضرّ بالقاصر أو بالغرماء‏.‏

شروط المحكَّم

10 - أ - أن يكون معلوماً‏.‏ فلو حكّم الخصمان أوّل من دخل المسجد مثلاً لم يجز بالإجماع، لما فيه من الجهالة، إلاّ إذا رضوا به بعد العلم، فيكون حينئذ تحكيماً لمعلوم‏.‏

11 - ب - أن يكون أهلاً لولاية القضاء‏.‏

وعلى ذلك اتّفاق المذاهب الأربعة، على خلاف فيما بينها في تحديد عناصر تلك الأهليّة‏.‏ والمراد بأهليّة القضاء هنا‏:‏ الأهليّة المطلقة للقضاء، لا في خصوص الواقعة موضوع النّزاع‏.‏ وفي قول للشّافعيّة‏:‏ إنّ هذا الشّرط يمكن الاستغناء عنه عندما لا يوجد الأهل لذلك‏.‏ ومنهم من قال بعدم اشتراطه مطلقاً، ومنهم من قيّد جواز التّحكيم بعدم وجود قاض، وقيل‏:‏ يتقيّد بالمال دون القصاص والنّكاح، أي إثبات عقد النّكاح‏.‏

وفي قول للحنابلة‏:‏ إنّ المحكّم لا تشترط فيه كلّ صفات القاضي‏.‏

وثمّة أحكام تفصيليّة لهذا الشّرط يرجع إليها في مبحث ‏(‏دعوى‏)‏ ‏(‏وقضاء‏)‏‏.‏

وذهب الحنفيّة إلى أنّ أهليّة القضاء يجب أن تكون متحقّقةً في المحكّم من وقت التّحكيم إلى وقت الحكم‏.‏ ومن ذلك‏:‏ أنّه يشترط في المحكّم‏:‏ الإسلام، إن كان حكماً بين مسلمين، وكان أحدهما مسلماً، أمّا إذا كانا غير مسلمين يشترط إسلام المحكّم‏.‏ وعلّة ذلك أنّ غير المسلم أهل للشّهادة بين غير المسلمين، فيكون تراضي الخصمين عليه كتولية السّلطان إيّاه‏.‏ ومعلوم أنّ ولاية غير المسلم الحكم بين غير المسلمين صحيحة‏.‏ وكذلك التّحكيم‏.‏

ولو كانا غير مسلمين، وحكّما غير مسلم جاز‏.‏ فإن أسلم أحد الخصمين قبل الحكم لم ينفذ حكم الحكم على المسلم، وينفذ له‏.‏ وقيل‏:‏ لا ينفذ له أيضاً‏.‏

12 - أمّا المرتدّ فتحكيمه عند أبي حنيفة رضي الله عنه موقوف، فإن عاد إلى الإسلام صحّ، وإلاّ بطل‏.‏ وعند أبي يوسف ومحمّد جائز في كلّ حال‏.‏ وعلى ذلك فلو حكّم مسلم ومرتدّ رجلاً، فحكم بينهما، ثمّ قتل المرتدّ، أو لحق بدار الحرب، لم يجز حكمه عليهما‏.‏

13 - ورتّبوا على ذلك آثاراً تظهر في بعض الصّور التّفريعيّة‏.‏‏.‏‏.‏ من ذلك أنّ الخصمين لو حكّما صبيّاً فبلغ، أو غير مسلم فأسلم، ثمّ حكم، لم ينفذ حكمه‏.‏

ولو حكّما مسلماً، ثمّ ارتدّ لم ينفذ حكمه أيضاً، وكان في ردّته عزله‏.‏ فإذا عاد إلى الإسلام فلا بدّ من تحكيم جديد‏.‏ ولو عمي المحكّم، ثمّ ذهب العمى، وحكم لم يجز حكمه‏.‏

أمّا إن سافر أو مرض أو أغمي عليه، ثمّ قدم من سفره أو برئ وحكم جاز، لأنّ ذلك لا يقدح بأهليّة القضاء‏.‏ ولو أنّ حكماً غير مسلم، حكّمه غير المسلمين، ثمّ أسلم قبل الحكم، فهو على حكومته، لأنّ تحكيم غير المسلمين للمسلم جائز ونافذ‏.‏ ولو أنّ أحد الخصمين وكّل الحكم بالخصومة فقبل، خرج عن الحكومة على قول أبي يوسف، ولم يخرج عنها على قول الإمام ومحمّد‏.‏ وقد قال بعض العلماء‏:‏ إنّه يخرج عنها في قول الكلّ‏.‏

14 - ج - أن لا يكون بين المحكّم وأحد الخصمين قرابة تمنع من الشّهادة‏.‏ وإذا اشترى المحكّم الشّيء الّذي اختصما إليه فيه، أو اشتراه ابنه أو أحد ممّن لا تجوز شهادته له، فقد خرج من الحكومة‏.‏ وإن حكَّم الخصم خصمه، فحكم لنفسه، أو عليها جاز تحكيمه ابتداءً، ومضى حكمه إن لم يكن جَوْراً بيّناً، وهو مذهب الحنفيّة والحنابلة‏.‏

أمّا المالكيّة فلهم في ذلك ثلاثة أقوال‏:‏

القول الأوّل‏:‏ أنّه يجوز مطلقاً، سواء أكان الخصم الحكم قاضياً أم غيره‏.‏

الثّاني‏:‏ أنّه لا يجوز مطلقاً للتّهمة‏.‏

الثّالث‏:‏ التّفرقة بين أن يكون المحكّم قاضياً أو غيره، فإن كان الخصم المحكّم قاضياً لم يجز، إن لم يكن قاضياً جاز‏.‏ والقول الأوّل هو المعتمد، وبه أخذ الحنابلة‏.‏

محلّ التّحكيم

اختلف الفقهاء فيما يصلح أن يكون محلّاً للتّحكيم‏.‏

15 - فعند الحنفيّة لا يجوز التّحكيم في الحدود الواجبة حقّاً للّه تعالى باتّفاق الرّوايات‏.‏ وحجّتهم‏:‏ أنّ استيفاء عقوبتها ممّا يستقلّ به وليّ الأمر‏.‏ وأنّ حُكْم المحكّم ليس بحجّة في حقّ غير الخصوم، فكان فيه شبهة‏.‏ والحدود تدرأ بالشّبهات‏.‏

وما اختاره السّرخسيّ من جواز التّحكيم في حدّ القذف فضعيف‏.‏

لأنّ الغالب فيه حقّ اللّه تعالى، فالأصحّ في المذهب عدم جواز التّحكيم في الحدود كلّها‏.‏

16 - أمّا القصاص، فقد روي عن أبي حنيفة أنّه لا يجوز التّحكيم فيه‏.‏

واختاره الخصّاف، وهو الصّحيح من المذهب، لأنّ التّحكيم بمنزلة الصّلح‏.‏

والإنسان لا يملك دمه حتّى يجعله موضعاً للصّلح‏.‏ وما روي من جوازه في القصاص قياساً على غيره من الحقوق فضعيف روايةً ودرايةً، لأنّ القصاص ليس حقّاً محضاً للإنسان - وإن كان الغالب فيه حقّه - وله شبه بالحدود في بعض المسائل‏.‏

17 - ولا يصحّ التّحكيم في ما يجب من الدّية على العاقلة، لأنّه لا ولاية للحكمين على العاقلة، ولا يمكنهما الحكم على القاتل وحده بالدّية، لمخالفته حكم الشّرع الّذي لم يوجب ديةً على القاتل وحده دون العاقلة، إلاّ في مواضع محدّدة - كما لو أقرّ بالقتل خطأً - وللتّفصيل انظر مصطلح ‏(‏دية، عاقلة‏)‏‏.‏

أمّا في تلك المواضع المحدّدة، فإنّ التّحكيم جائز ونافذ‏.‏

18 - وليس للحَكَم أن يحكم في اللّعان كما ذكر البرجنديّ، وإن توقّف فيه ابن نجيم‏.‏

وعلّة ذلك أنّ اللّعان يقوم مقام الحدّ‏.‏ وأمّا فيما عدا ما ذكر آنفاً، فإنّ التّحكيم جائز ونافذ‏.‏ وليس للمحكّم الحبس، إلاّ ما نقل عن صدر الشّريعة من جوازه‏.‏

19 - وأمّا المالكيّة، فإنّ التّحكيم عندهم جائز إلاّ في ثلاثة عشر موضعاً هي‏:‏

الرّشد، وضدّه، والوصيّة، والحبس ‏(‏الوقف‏)‏، وأمر الغائب، والنّسب، والولاء، والحدّ، والقصاص، ومال اليتيم، والطّلاق، والعتق، واللّعان‏.‏ لأنّ هذه ممّا يختصّ بها القضاء‏.‏ وسبب ذلك أنّ هذه الأمور إمّا حقوق يتعلّق بها حقّ اللّه تعالى، كالحدّ والقتل والطّلاق، أو حقوق لغير المتحاكمين، كالنّسب، واللّعان‏.‏ وقد وضع ابن عرفة حدّاً لما يجوز فيه التّحكيم‏.‏ فقال‏:‏ ظاهر الرّوايات أنّه يجوز التّحكيم فيما يصحّ لأحدهما ترك حقّه فيه‏.‏

وقال اللّخميّ وغيره‏:‏ إنّما يصحّ في الأموال، وما في معناها‏.‏

20 - وأمّا الشّافعيّة فإنّ التّحكيم عندهم لا يجوز في حدود اللّه تعالى‏.‏ إذ ليس فيها طالب معيّن، وعلى هذا المذهب‏.‏ ولو حكّم خصمان رجلاً في غير حدّ اللّه تعالى جاز مطلقاً بشرط أهليّة القضاء‏.‏ وفي قول‏:‏ لا يجوز‏.‏ وقيل‏:‏ بشرط عدم وجود قاض بالبلد‏.‏

وقيل‏:‏ يختصّ التّحكيم بالأموال دون القصاص والنّكاح ونحوهما‏.‏

21 - وأمّا الحنابلة‏:‏ فقد اختلفوا فيما يجوز فيه التّحكيم‏.‏

ففي ظاهر كلام أحمد أنّ التّحكيم يجوز في كلّ ما يمكن أن يعرض على القاضي من خصومات، كما قال أبو الخطّاب، يستوي في ذلك المال والقصاص والحدّ والنّكاح واللّعان وغيرها، حتّى مع وجود قاض، لأنّه كالقاضي ولا فرق‏.‏ وقال القاضي أبو يعلى بجواز التّحكيم في الأموال خاصّةً‏.‏ وأمّا النّكاح والقصاص والحدّ فلا يجوز فيها التّحكيم، لأنّها مبنيّة على الاحتياط، فلا بدّ من عرضها على القضاء للحكم‏.‏

شروط التّحكيم

يشترط في التّحكيم ما يأتي‏:‏

22 - أ - قيام نزاع، وخصومة حول حقّ من الحقوق‏.‏

وهذا الشّرط يستدعي حُكْماً قيام طرفين متشاكسين، كلّ يدّعي حقّاً له قبل الآخر‏.‏

23 - ب - تراضي طرفي الخصومة على قبول حكمه، أمّا المعيّن من قبل القاضي فلا يشترط رضاهما به، لأنّه نائب عن القاضي‏.‏

ولا يشترط عند الحنفيّة تقدّم رضى الخصمين عن التّحكيم، بل لو رضيا بحكمه بعد صدوره جاز‏.‏ وعند الشّافعيّة‏:‏ لا بدّ من تقدّم التّراضي‏.‏

24 - ج - اتّفاق المتخاصمين والحكم على قبول مهمّة التّحكيم‏.‏‏.‏‏.‏ ومجمل هذين الاتّفاقين يشكل ركن التّحكيم، الّذي هو‏:‏ لفظه الدّالّ عليه مع قبول الآخر‏.‏

وهذا الرّكن قد يظهر صراحةً‏.‏ كما لو قال الخصمان‏:‏ حكّمناك بيننا‏.‏ أو قال لهما‏:‏ أحكم بينكما، فقبلا‏.‏ وقد يظهر دلالةً‏.‏‏.‏‏.‏ فلو اصطلح الخصمان على رجل بينهما، ولم يعلماه بذلك، ولكنّهما اختصما إليه، فحكم بينهما، جاز‏.‏

وإن لم يقبل الحكم، لم يجز حكمه إلاّ بتجديد التّحكيم‏.‏

وللخصمين أن يقيّدا التّحكيم بشرط‏.‏‏.‏‏.‏ فلو حكّماه على أن يحكم بينهما في يومه، أو في مجلسه وجب ذلك‏.‏ ولو حكّماه على أن يستفتي فلاناً، ثمّ يقضي بينهما بما قال جاز‏.‏

ولو حكّما رجلين، فحكم أحدهما، لم يجز، ولا بدّ من اتّفاقهما على المحكوم به‏.‏

فلو اختلفا لم يجز‏.‏ وكذلك لو اتّفقا على تحكيم رجل معيّن‏.‏ فليس له أن يفوّض غيره بالتّحكيم‏.‏ لأنّ الخصمين لم يرضيا بتحكيم غيره‏.‏

ولو فوّض، وحكم الثّاني بغير رضاهما، فأجاز الأوّل حكمه، لم يجز لأنّ الإذن منه في الابتداء لا يصحّ، فكذا في الانتهاء، ولا بدّ من إجازة الخصمين بعد الحكم‏.‏ وقيل‏:‏ ينبغي أن يجوز، كالوكيل الأوّل إذا أجاز بيع الوكيل الثّاني‏.‏

إلاّ أنّ تعليق التّحكيم على شرط، كما لو قالا لعبد‏:‏ إذا أعتقت فاحكم بيننا، وإضافته إلى وقت، كما لو قالا لرجل‏:‏ جعلناك حكماً غداً، أو قالا‏:‏ رأس الشّهر‏.‏‏.‏‏.‏ كلّ ذلك لا يجوز في قول أبي يوسف خلافاً لمحمّد‏.‏ والفتوى على القول الأوّل‏.‏

25 - وليس للخصمين أن يتّفقا على محكّم ليس أهلاً للتّحكيم‏.‏

ولو حكم غير المسلم بين مسلمين، فأجازا حكمه، لم يجز، كما لو حكّماه في الابتداء‏.‏

26 - ولا يحتاج الاتّفاق على التّحكيم لشهود تشهد على الخصمين بأنّهما قد حكّما الحَكَم‏.‏ إلاّ أنّه ينبغي الإشهاد خوف الجحود‏.‏

ولهذا ثمرة عمليّة‏:‏ إذ لو أنّ الخصمين حكّما الحكم، فحكم بينهما، فأنكر المحكوم عليه منهما أنّه حكّمه، لم يقبل قول الحكم أنّ الجاحد حكّمه إلاّ ببيّنة‏.‏

27 - ويجب أن يستمرّ الاتّفاق على التّحكيم حتّى صدور الحكم، إذ أنّ رجوع أحد الخصمين عن التّحكيم قبل صدور الحكم يلغي التّحكيم، كما سنرى‏.‏

فلو قال الحكم لأحدهما‏:‏ أقررت عندي، أو قامت عندي بيّنة عليك بكذا، وقد ألزمتك، وحكمت بهذا، فأنكر المقضيّ عليه الإقرار أو البيّنة لم يلتفت لقوله، ومضى القضاء‏.‏ لأنّ ولاية المحكّم قائمة‏.‏ وهو في هذه الحالة كالقاضي‏.‏ أمّا إن قال ذلك بعد أن عزله الخصم، فإنّ قوله وحكمه لا يعتدّ به، كالحكم الّذي يصدره القاضي بعد عزله‏.‏

28 - د - الإشهاد على الحكم، وليس هذا شرطاً لصحّة التّحكيم، وإنّما هو شرط لقبول قول الحكم عند الإنكار، ولا بدّ من الإشهاد في مجلس الحكم‏.‏

طريق الحكم

29- طريق كل شيء ما يوصل إليه، حكماً كان أو غيره‏.‏ وعليه فإن طريق الحكم‏:‏مايثبت به الحق موضوع النزاع والخصومة‏.‏ وهذا لا يكون إلا بالنية، أو الإقرار، أو النكول عن حلف اليمين‏.‏ يستوي في هذا حكم الحكم، وحكم القاضي‏.‏

فإن قام الحكم على ذلك كان حجة موافقة للشرع‏.‏ وإلا كان باطلاً‏.‏

ويبدو أن الحكَم لا يقضي بعلمه‏.‏ وأما كتاب المحكَّم إلى القاضي، وكتاب القاضي إليه فغير جائز، إلا برضى الخصمين، خلافاً للحنابلة الذين ذهبوا إلى جوازه ونفاذه‏.‏

الرّجوع عن التّحكيم

30 - حقّ الرّجوع عن التّحكيم فرع من صفة التّحكيم الجوازيّة‏.‏‏.‏‏.‏ ولكنّ هذا الحقّ ليس مطلقاً‏.‏

31 - فقد ذهب الحنفيّة، وسحنون من المالكيّة إلى أنّ لكلّ خصم أن يرجع عن التّحكيم قبل صدور الحكم، ولا حاجة لاتّفاق الخصمين على ذلك‏.‏ فإن رجع كان في ذلك عزل للمحكَّم‏.‏ أمّا بعد صدور الحكم، فليس لأحد حقّ الرّجوع عن التّحكيم، ولا عزل المحكّم، فإن رجع بعد الحكم لم يبطل الحكم، لأنّه صدر عن ولاية شرعيّة للمحكّم، كالقاضي الّذي يصدر حكمه، ثمّ يعزله السّلطان‏.‏

وعلى هذا‏:‏ فإن اتّفق رجلان على حكم يحكم بينهما في عدد من الدّعاوى، فقضى على أحدهما في بعضهما، ثمّ رجع المحكوم عليه عن تحكيم هذا الحكم، فإنّ القضاء الأوّل نافذ، ليس للحكم أن يحكم فيما بقي، فإن حكم لا ينفذ‏.‏

وإن قال الحكم لأحد الخصمين‏:‏ قامت عندي الحجّة بصحّة ما ادّعى عليك من الحقّ، فعزله هذا الخصم، ثمّ حكم عليه الحكم بعد ذلك لا ينفذ حكمه عليه‏.‏

32 - وعند المالكيّة‏:‏ لا يشترط دوام رضا الخصمين إلى حين صدور الحكم‏.‏ بل لو أقاما البيّنة عند الحكم، ثمّ بدا لأحدهما أن يرجع عن التّحكيم قبل الحكم‏.‏ تعيّن على الحكم أن يقضي، وجاز حكمه‏.‏ وقال أصبغ‏:‏ لكلّ واحد منهما الرّجوع ما لم تبدأ الخصومة أمام الحكم، فإن بدأت تعيّن عليهما المضيّ فيها حتّى النّهاية‏.‏

وقال ابن الماجشون‏:‏ ليس لأحدهما الرّجوع ولو قبل بدء الخصومة‏.‏

33 - وعند الشّافعيّة‏:‏ يجوز الرّجوع قبل صدور الحكم، ولو بعد إقامة البيّنة‏.‏ وعليه المذهب‏.‏ وقيل بعدم جواز ذلك‏.‏ أمّا بعد الحكم فلا يشترط رضا الخصم به كحكم القاضي‏.‏ وقيل‏:‏ يشترط، لأنّ رضاهما معتبر في أصل التّحكيم، فكذا في لزوم الحكم‏.‏ والأظهر الأوّل‏.‏ 34 - وعند الحنابلة‏:‏ لكلّ من الخصمين أن يرجع عن التّحكيم قبل الشّروع في الحكم‏.‏

أمّا بعد الشّروع فيه، وقيل تمامه، ففي الرّجوع قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ له الرّجوع لأنّ الحكم لم يتمّ، أشبه قبل الشّروع‏.‏

والثّاني‏:‏ ليس له ذلك، لأنّه يؤدّي إلى أنّ كلّ واحد منهما إذا رأى من الحكم ما لا يوافقه رجع فبطل مقصوده‏.‏ فإن صدر الحكم نفذ‏.‏

أثر التّحكيم

35 - يراد بأثر التّحكيم‏:‏ ما يترتّب عليه من نتائج‏.‏

وهذا الأثر يتمثّل في لزوم الحكم ونفاذه، كما يتمثّل في إمكان نقضه من قبل القضاء‏.‏

أوّلاً‏:‏ لزوم الحكم ونفاذه‏:‏

36 - متى أصدر الحكم حكمه، أصبح هذا الحكم ملزماً للخصمين المتنازعين، وتعيّن إنفاذه دون أن يتوقّف ذلك على رضا الخصمين، وعلى ذلك الفقهاء‏.‏ وحكمه في ذلك كحكم القاضي‏.‏ وليس للحكم أن يرجع عن حكمه، فلو رجع عن حكمه، وقضى للآخر لم يصحّ قضاؤه، لأنّ الحكومة قد تمّت بالقضاء الأوّل، فكان القضاء الثّاني باطلاً‏.‏

37 - ولكنّ هذا الإلزام الّذي يتّصف به حكم الحكم ينحصر في الخصمين فقط، ولا يتعدّى إلى غيرهما، ذلك لأنّه صدر بحقّهما عن ولاية شرعيّة نشأت من اتّفاقهما على اختيار الحَكَم للحكم فيما بينهما من نزاع وخصومة‏.‏ ولا ولاية لأيّ منهما على غيره، فلا يسري أثر حكم الحكم على غيرهما‏.‏

38 - وتطبيقاً لهذا المبدأ، فلو حكّم الخصمان رجلاً في عيب البيع فقضى الحكم بردّه، لم يكن للبائع حقّ بردّه على بائعه، إلاّ أن يرضى البائع الأوّل والثّاني والمشتري بتحكيمه، فحينئذ يردّه على البائع الأوّل‏.‏ وكذلك لو أنّ رجلاً ادّعى على آخر ألف درهم، ونازعه في ذلك، فادّعى أنّ فلاناً الغائب قد ضمنها له عن هذا الرّجل، فحكّما بينهما رجلاً، والكفيل غائب‏.‏ فأقام المدّعي بيّنةً على المال، وعلى الكفالة، فحكم الحكم بالمال وبالكفالة، صحّ الحكم في حقّ الدّائن والمدين ولم يصحّ بالكفالة، ولا على الكفيل‏.‏

وإن حضر الكفيل، والمكفول غائب، فتراضى الطّالب والكفيل، فحكم المحكّم بذلك كان الحكم جائزاً، ونافذاً بحقّ الكفيل دون المكفول‏.‏

ولم يشذّ عن هذا المبدأ غير مسألة واحدة نصّ عليها الحنفيّة، هي‏:‏ ما لو حكّم أحد الشّريكين وغريمه رجلاً فحكم بينهما، وألزم الشّريك شيئاً من المال المشترك نفذ هذا الحكم، وتعدّى إلى الشّريك الغائب، لأنّ حكمه بمنزلة الصّلح في حقّ الشّريك الغائب‏.‏ والصّلح من صنيع التّجّار‏.‏ فكان كلّ واحد من الشّريكين راضياً بالصّلح، وما في معناه‏.‏‏.‏‏.‏

وبعبارة أخرى فإنّ العرف بين التّجّار قد جعل التّحكيم من أحد الشّركاء كأنّه تحكيم من سائر الشّركاء‏.‏ ولهذا لزم الحكم، ونفذ في حقّهم جميعاً‏.‏

ثانياً‏:‏ نقض الحكم‏:‏

39 - قد يرضى الخصمان بالحكم، فيعملان على تنفيذه‏.‏‏.‏ وقد يرى أحدهما رفعه إلى القضاء لمصلحة يراها‏.‏

أمّا الشّافعيّة، والحنابلة، فعندهم أنّ القاضي إذا رفع إليه حكم المحكّم لم ينقضه إلاّ بما ينقض به قضاء غيره من القضاة‏.‏

أمّا عند الحنفيّة فإذا رفع حكم المحكّم إلى القاضي نظر فيه، فإن وجده موافقاً مذهبه أخذ به وأمضاه، لأنّه لا جدوى من نقضه، ثمّ إبرامه‏.‏

وفائدة هذا الإمضاء‏:‏ أن لا يكون لقاض آخر يرى خلافه نقضه إذا رفع إليه، لأنّ إمضاءه بمنزلة قضائه ابتداءً‏.‏ أمّا إن وجده خلاف مذهبه أبطله، وأوجب عدم العمل بمقتضاه، وإن كان ممّا يختلف فيه الفقهاء‏.‏ وهذا الإبطال ليس على سبيل اللّزوم، بل هو على سبيل الجواز، إن شاء القاضي أبطله، وإن شاء أمضاه وأنفذه‏.‏

40 - ويجب أن تكون هذه الإجازة من القاضي بعد حكم المحكّم‏.‏ وعليه فلو حكّما رجلاً، فأجاز القاضي حكومته قبل أن يحكم، ثمّ حكم بخلاف رأي القاضي لم يجز، لأنّ القاضي أجاز المعدوم‏.‏ وإجازة الشّيء قبل وجوده باطلة، فصار كأنّه لم يجز‏.‏

ولكنّ السّرخسيّ قال‏:‏ هذا الجواب صحيح فيما إذا لم يكن القاضي مأذوناً في استخلاف غيره‏.‏ وأمّا إذا كان مأذوناً في الاستخلاف فيجب أن تجوز إجازته‏.‏ وتجعل إجازة القاضي بمنزلة استخلافه إيّاه في الحكم بينهما، فلا يكون له أن يبطل حكمه بعد ذلك‏.‏

وإن حكّما رجلاً، فحكم بينهما، ثمّ حكّما آخر، فقضى بحكم آخر، ثمّ رفع الحكمان إلى القاضي، فإنّه ينفذ حكم الموافق لرأيه‏.‏ هذا كلّه عند الحنفيّة‏.‏ أمّا المالكيّة فعندهم أنّ القاضي لا ينقض حكم المحكّم إلاّ إذا كان جوراً بيّناً‏.‏ سواء أكان موافقاً لرأي القاضي، أم مخالفاً له‏.‏ وقالوا بأنّ هذا لم يختلف فيه أهل العلم، وبه قال ابن أبي ليلى‏.‏

انعزال الحَكَم

41 - ينعزل الحكم بكلّ سبب من الأسباب الأتيّة‏:‏

أ - العزل‏:‏ لكلّ من الطّرفين عزل المحكّم قبل الحكم، إلاّ إذا كان المحكّم قد وافق عليه القاضي، فليس لهما عزله، لأنّ القاضي استخلفه‏.‏

ب - انتهاء الوقت المحدّد للتّحكيم قبل صدور الحكم‏.‏

ج - خروجه عن أهليّة التّحكيم‏.‏

د - صدور الحكم‏.‏

تحلّل

التّعريف

1 - التّحلّل ثلاثيّة من حلّ‏.‏ وأصل معنى ‏(‏حلّ‏)‏ في اللّغة‏:‏ فتح الشّيء وفكّ العقدة، ويكون بفعل الإنسان ما يخرج به من الحرمة، ويختلف باختلاف موضعه، فإن كان من إحرام فهو الخروج منه بالطّريق الموضوع له شرعاً، وإن كان من يمين فيخرج منها بالبرّ أو الكفّارة بشرطها، وإن كان التّحلّل من الصّلاة فيكون بالسّلام، وتفصيله في باب الصّلاة‏.‏

ولا يخرج استعماله شرعاً عن ذلك‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

التّحلّل من الإحرام

والمراد به‏:‏ الخروج من الإحرام‏.‏ وحلّ ما كان محظوراً على المحرم قسمان‏:‏

أ - التّحلّل الأصغر، ويسمّى أيضاً‏:‏ التّحلّل الأوّل‏:‏

2 - ويكون عند الشّافعيّة والحنابلة بفعل أمرين من ثلاثة‏:‏ رمي جمرة العقبة، والنّحر، والحلق أو التّقصير‏.‏ ويباح بهذا التّحلّل لبس الثّياب وكلّ شيء ما عدا النّساء ‏(‏بالإجماع‏)‏ والطّيب عند البعض، والصّيد عند المالكيّة‏.‏

أمّا الحنفيّة فيحصل التّحلّل الأصغر عندهم برمي الجمرة والحلق والتّقصير، فإذا فعل ذلك حلّ له كلّ شيء إلاّ النّساء‏.‏ وما ورد في بعض كتب الحنفيّة من استثناء الطّيب والصّيد أيضاً ضعيف‏.‏ هذا، ويجب الذّبح بين الرّمي والحلق للمتمتّع والقارن لمن قدر على ذلك، لأنّ التّرتيب واجب بين هذه النّسك عند الحنفيّة‏.‏

والأصل في هذا الخلاف ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت‏:‏ «كنت أطيّب النّبيَّ صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم، ويومَ النّحر قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك»‏.‏ وقد جاء في بعض الأحاديث أنّه إذا رمى جمرة العقبة فقد حلّ له كلّ شيء إلاّ النّساء والطّيب، لما أخرجه مالك في الموطّأ عن عمر رضي الله عنه أنّه خطب النّاس بعرفة، وعلّمهم أمر الحجّ، وقال لهم فيما قال‏:‏ «إذا جئتم منًى فمن رمى الجمرة فقد حلّ له ما حرم على الحاجّ إلاّ النّساء والطّيب»‏.‏

وأمّا ما ذهب إليه مالك من تحريم الصّيد أيضاً‏:‏ فإنّه أخذ بعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تَقْتُلوا الصّيدَ وأنتم حُرُمٌ‏}‏ ووجه الاستدلال بالآية أنّ الحاجّ يعتبر محرماً ما لم يطف طواف الإفاضة‏.‏ وأمّا دليل إباحة لبس الثّياب وكلّ شيء بعد رمي جمرة العقبة، فهو حديث‏:‏ «إذا رميتم الجمرة فقد حلّ كلّ شيء إلاّ النّساء»، وحديث عائشة السّابق‏.‏

ب - التّحلّل الأكبر - ويسمّى أيضاً التّحلّل الثّاني‏:‏

3 - هذا التّحلّل هو الّذي يباح به جميع محظورات الإحرام دون استثناء، ويبدأ الوقت الّذي تصحّ أفعال التّحلّل الأكبر فيه عند الحنفيّة والمالكيّة من طلوع فجر يوم النّحر، ويحصل عندهما بطواف الإفاضة - بشرط الحلق أو التّقصير - هنا باتّفاقهما، فلو أفاض ولم يحلق لم يتحلّل حتّى يحلق عند الحنفيّة والمالكيّة‏.‏

وزاد المالكيّة أن يكون الطّواف مسبوقاً بالسّعي، وإلاّ لا يحلّ به حتّى يسعى، لأنّ السّعي ركن عند المالكيّة، وقال الحنفيّة‏:‏ لا مدخل للسّعي في التّحلّل، لأنّه واجب مستقلّ، ونهاية وقت التّحلّل الأكبر بحسب ما يتحلّل به عندهما، وهو الطّواف، وهو لا يفوت‏.‏

وعند الشّافعيّة والحنابلة يبدأ وقت التّحلّل الأكبر من منتصف ليلة النّحر، ويحصل التّحلّل الأكبر عندهما باستكمال أفعال التّحلّل الّتي ذكرت، وهي‏:‏ ثلاثة على القول بأنّ الحلق نسك، واثنان على القول الآخر غير المشهور أنّه ليس بنسك، ونهاية التّحلّل الأكبر عند الشّافعيّة والحنابلة بحسب ما يتحلّل به عندهما إن توقّف التّحلّل الأكبر على الطّواف أو الحلق أو السّعي، أمّا الرّمي فإنّه مؤقّت بغروب شمس آخر أيّام التّشريق، فإذا توقّف عليه التّحلّل ولم يرم حتّى آخر أيّام التّشريق فات وقت الرّمي بالكلّيّة، فيحلّ عند الحنابلة بمجرّد فوات الوقت، وإن بقي عليه الفداء مقابل ذلك، وهذا قول عند الشّافعيّة، لكنّ الأصحّ عندهم أنّه بفوات وقت الرّمي ينتقل التّحلّل إلى كفّارته، فلا يحلّ حتّى يؤدّيها‏.‏

وحصول التّحلّل الأكبر باستكمال الأفعال الثّلاثة‏:‏ رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإفاضة المسبوق بالسّعي محلّ اتّفاق الفقهاء، وبه تباح جميع محظورات الإحرام بالإجماع‏.‏

التّحلّل من إحرام العمرة

4 - اتّفق جمهور الفقهاء على أنّ للعمرة بعد أدائها تحلّلاً واحداً تباح به للمحرم جميع محظورات الإحرام، ويحصل هذا التّحلّل بالحلق أو التّقصير باتّفاق المذاهب، والتّفصيل في مصطلح ‏(‏عمرة‏)‏‏.‏

التّحلّل من اليمين

5 - اتّفق الفقهاء على أنّ اليمين المنعقدة المؤكّدة للحثّ أو المنع تنحلّ بفعل ما يوجب الحنث، وهو المخالفة لما انعقدت عليه اليمين، وذلك إمّا بفعل ما حلف على ألاّ يفعله، وإمّا بترك ما حلف على فعله، إذا علم أنّه قد تراخى عن فعل ما حلف على فعله إلى وقت ليس يمكنه فيه فعله، وذلك في اليمين بالتّرك المطلق، مثل أن يحلف‏:‏ لتأكلن هذا الرّغيف، فيأكله غيره‏.‏ أو إلى وقت هو غير الوقت الّذي اشترط وجود الفعل فيه، وذلك في الفعل المشترط فعله في زمان محدّد، مثل أن يقول‏:‏ واللّه لأفعلن اليوم كذا، فإنّه إذا انقضى النّهار ولم يفعل حنث ضرورةً، واتّفقوا على أنّ الكفّارة في الأيمان هي الأربعة الأنواع الواردة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يؤاخذُكم اللّهُ باللَّغوِ في أَيْمانِكم ولكنْ يُؤاخِذكم بما عَقَّدْتُم الأيمانَ فكفَّارتُه إطعامُ عَشَرَةِ مساكينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهليكم أو كِسْوَتُهم أو تحريرُ رَقَبَةٍ فمنْ لم يَجِدْ فَصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ ذلك كفَّارةُ أيمانِكم إذا حَلَفْتُم‏}‏‏.‏

وجمهور الفقهاء على أنّ الحالف إذا حنث مخيّر بين الثّلاثة الأول أي‏:‏ الإطعام أو الكسوة أو العتق، وأنّه لا يجوز له الصّيام إلاّ إذا عجز عن الثّلاثة، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمَنْ لمْ يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ‏}‏‏.‏ والتّفصيل موطنه مصطلح ‏(‏أيمان‏)‏‏.‏

والتّحلّل في اليمين‏:‏ الاستثناء منها بقوله‏:‏ إن شاء اللّه، واختلف العلماء في الاستثناء أيشترط اتّصاله أو لا يشترط‏؟‏ والتّفصيل موطنه مصطلح ‏(‏أيمان، طلاق‏)‏‏.‏

تحلِّي

انظر‏:‏ حلية‏.‏

تحليف

انظر‏:‏ حلف‏.‏

تحليق

التّعريف

1 - من معاني التّحليق في اللّغة‏:‏ الاستدارة وجعل الشّيء كالحلقة‏.‏

ومن معانيه أيضاً‏:‏ إزالة الشّعر، يقال‏:‏ حلق رأسه يحلقه حلقاً، وتحلاقاً‏:‏ أزال شعره، كحلّقه واحتلقه‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏محلِّقينَ رءوسَكم‏}‏، وفي الحديث‏:‏ «اللّهمّ اغفر للمحلِّقين» والتّحليق خلاف التّقصير، وهو‏:‏ الأخذ من الشّعر بالمقصّ‏.‏ وخلاف النّتف، وهو‏:‏ نزع الشّعر من أصوله‏.‏ ويرد في اصطلاح الفقهاء بالمعنيين المذكورين‏.‏

الحكم الإجماليّ ومواطن البحث

التّحليق بمعنى الاستدارة في التّشهّد‏:‏

2 - يرد التّحليق بمعنى‏:‏ الاستدارة في التّشهّد في الصّلاة، سواء التّشهّد الأوّل أو الأخير‏.‏ وصفته‏:‏ أن يقبض المصلّي الخنصر والبنصر من يده اليمنى، ويحلق بإبهامه مع الوسطى ويشير بالسّبّابة - وهي الأصبع الّتي تلي الإبهام - عند لفظ الجلالة رافعاً لها وهذا عند الحنابلة، وهو القول الثّاني عند الشّافعيّة، وقول للحنفيّة، وقالوا‏:‏ إنّه المفتى به‏.‏ والتّحليق على الوجه المذكور سنّة‏.‏

وذكر عند المالكيّة‏:‏ أنّ من مندوبات الصّلاة أن يعقد المصلّي في تشهّده من أصابع يده اليمنى الخنصر والبنصر والوسطى وهي موضوعة على فخذها الأيمن، وأطرافها على اللّحمة الّتي تحت الإبهام على صفة تسعة، وأن يمدّ السّبّابة والإبهام، والإبهام بجانبها على الوسطى ممدودة على صورة العشرين، فتكون الهيئة صفة التّسعة والعشرين، وهذا هو قول الأكثر، وندب أن يحرّك السّبّابة يميناً وشمالاً تحرّكاً وسطاً في جميع التّشهّد‏.‏ ولم يسمّوا ذلك تحليقاً‏.‏ والتّفصيل موطنه مصطلح‏:‏ ‏(‏تشهّد‏)‏‏.‏

التّحليق بمعنى إزالة الشّعر‏:‏

3 - اتّفق الفقهاء على أنّ الحلق من المحظورات المتعلّقة ببدن الحرم، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تَحْلِقُوا رءوسَكم حتّى يَبْلُغَ الهديُ مَحِلَّه فَمَنْ كان منكم مريضاً أو به أَذَى منْ رأسِه فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أو صَدَقَةٍ أو نُسُكٍ‏}‏ فيحظر على المحرم حلق رأسه أو رأس محرم غيره، وقليل الشّعر كذلك يحظر حلقه أو قطعه، وإن حلق المحرم شعره أثناء إحرامه فعليه الفدية للنّصّ‏.‏ والحلق للتّحلّل من الإحرام أفضل من التّقصير‏.‏

روي عن عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏

«اللّهمّ ارحم المحلّقين، قالوا‏:‏ والمقصّرين يا رسول اللّه، قال‏:‏ اللّهمّ ارحم المحلِّقين، قالوا‏:‏ والمقصِّرين يا رسول اللّه، قال‏:‏ والمقصّرين»‏.‏

وفي دعاء رسول اللّه صلى الله عليه وسلم للمحلّقين ثلاثاً، وللمقصّرين مرّةً دليل على أنّ الحلق في الحجّ والعمرة أفضل من التّقصير، هذا إذا كان محرماً بالعمرة وحدها من غير إرادة تمتّع، فإن كان متمتّعاً، وأراد التّحلّل من عمرته، فالأفضل له التّقصير، ليتوفّر الحلق للتّحلّل من الحجّ‏.‏

وأجمع أهل العلم على أنّ التّقصير يجزئ عن الرّجال، وأنّ النّساء سنّتهنّ التّقصير، لما روي عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال‏:‏ «ليس على النّساء حَلْق، إنّما عليهنّ التّقصير»، ولا خلاف في أنّ حلق الرّأس في الحجّ نسك‏.‏ والحلق - أو التّقصير - في ذاته واجب إذا كان على الرّأس شعر، أمّا إذا لم يكن على رأسه شعر - كالأقرع ومن برأسه قروح - فإنّه يجب إمرار الموسى على رأسه عند الحنفيّة والمالكيّة، واستحبّ ذلك الشّافعيّة والحنابلة‏.‏ وبعد فراغ الحلق يقول‏:‏ اللّه أكبر ثلاث مرّات، اللّهمّ هذه ناصيتي بيدك، فاجعل لي كلّ شعرة نوراً يوم القيامة، واغفر لي ذنبي يا واسع المغفرة‏.‏

والتّفصيل موطنه مصطلح‏:‏ ‏(‏إحرام‏)‏ ‏(‏حلق‏)‏‏.‏

تحليل

التّعريف

1 - التّحليل لغةً ضدّ التّحريم، وأصل الفعل ‏(‏حلّ‏)‏ ويتعدّى بالهمزة والتّضعيف، فيقال‏:‏ أحللته‏.‏ ومنه ‏{‏أحلَّ اللّهُ البيعَ‏}‏ أي أباحه وخيّر في الفعل والتّرك، واسم الفاعل‏:‏ محلّ ومحلّل‏.‏ والتّحليل في الشّرع هو‏:‏ حكم اللّه تعالى بأنّ فعلاً ما هو حلال‏.‏ قال ابن وهب‏:‏ قال مالك‏:‏ لم يكن من فتيا النّاس أن يقولوا‏:‏ هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولون‏:‏ إيّاكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا‏.‏ قال القرطبيّ‏:‏ ومعنى هذا‏:‏ أنّ التّحليل والتّحريم إنّما هو للّه عزّ وجلّ، وليس لأحد أن يقول أو يصرّح بهذا في عين من الأعيان، إلاّ أن يكون البارئ تعالى يخبر بذلك عنه‏.‏ ثمّ قال‏:‏ وقد يقوى الدّليل على التّحريم عند المجتهد، فلا بأس عند ذلك أن يقول ذلك، كما يقول‏:‏ إنّ الرّبا حرام في غير الأعيان السّتّة‏.‏

وقد يطلق التّحليل ويراد منه العفو عن مظلمة، ويطلق التّحليل ويراد منه‏:‏ تحليل المطلّقة ثلاثاً لمطلّقها‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الإباحة‏:‏

2 - الإباحة في اللّغة‏:‏ الإحلال، وفي الاصطلاح الأصوليّ‏:‏ هي خطاب اللّه تعالى لمتعلّق بأفعال المكلّفين تخييراً من غير بدل‏.‏ وعند الفقهاء‏:‏ الإذن بإتيان الفعل حسب مشيئة الفاعل في حدود الإذن‏.‏ وقد تطلق الإباحة على ما قابل الحظر، شمل الفرض والإيجاب والنّدب‏.‏ والإباحة فيها تخيير، أمّا الحلّ فإنّه أعمّ من ذلك شرعاً‏.‏ ر‏:‏ ‏(‏إباحة‏)‏‏.‏

تحليل الحرام

3 - المراد به‏:‏ جعل الحرام حلالاً، كتحليل الرّبا، فذلك افتراء على اللّه وكذب توعّد اللّه عليه بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تَقُولوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكم الكَذِبَ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لِتَفْتَرُوا على اللّهِ الكَذِبَ، إنَّ الّذين يَفْتَرونَ على اللّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحون‏}‏‏.‏

التّحليل من الدّيون وغيرها

4 - التّحليل من الدّين‏:‏ إخراج الدّين منه‏.‏ وأمّا التّحلّل فهو‏:‏ طلب الخروج من المظالم، وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ كانتْ له مَظْلَمَةٌ لأخيه من عرضه أو شيء فَلْيَتَحَلَّلْه منه اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ»‏.‏ والتّحليل قد يكون بمقابل وبغيره‏:‏

فالّذي بمقابل‏:‏ كالزّوجة تريد أن تختلع من زوجها، فتعطيه مالاً ليخلعها‏.‏ والأصل في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يَحِلُّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتُموهنّ شيئاً إلاّ أنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حدودَ اللّهِ فإِنْ خِفتم ألاّ يقيما حدودَ اللّهِ فلا جُنَاحَ عليهما فيما افتدتْ به‏}‏‏.‏

وقد يكون التّحليل بلا مقابل، وأصل ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهنَّ نِحْلَةً فإِنْ طِبْنَ لكم عن شيء منه نَفْسَاً فَكُلُوه هنيئاً مَريئاً‏}‏‏.‏

فقد دلّت الآية على جواز هبة المرأة للمهر، وهو دين‏.‏

التّحليل من التّبعات والحقوق غير الماليّة للحيّ والميّت

5 - من أخطأ في حقّ أخيه المسلم، فإنّه يجب عليه أن يتوب إلى اللّه عن ذنبه‏.‏

وقال العلماء‏:‏ إنّ للتّوبة شروطاً منها‏:‏ أن يَبْرأ التّائبُ من حقّ المعتدى عليه، فإن كان مالاً ردّه إليه، إن كان حدّ قذف ونحوه مكّنه منه، أو طلب عفوه، وإن كان غيبةً استحلّه منها‏.‏ ‏(‏ر‏:‏ توبة‏)‏‏.‏

نكاح المحلّل

6 - ذهب الفقهاء إلى أنّ من طلّق زوجته طلقةً رجعيّةً أو طلقتين رجعيّتين جاز له إرجاعها في العدّة‏.‏ وإذا كان الطّلاق بائناً بينونةً صغرًى، فحكم ما دون الثّلاث من الواحدة البائنة والثّنتين البائنتين هو نقصان عدد الطّلاق وزوال ملك الاستمتاع، حتّى لا يجوز وطؤها إلاّ بنكاح جديد، ويجوز نكاحها من غير أن تتزوّج بزوج آخر، لأنّ ما دون الثّلاث - وإن كان بائناً - فإنّه يوجب زوال ملك الاستمتاع، لا زوال حلّ المحلّيّة‏.‏

أمّا إذا طلّق زوجته ثلاثاً، فإنّ الحكم الأصليّ للطّلقات الثّلاث هو زوال ملك الاستمتاع وزوال حلّ المحلّيّة أيضاً، حتّى لا يجوز له نكاحها قبل التّزوّج بزوج آخر، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإِنْ طَلَّقَها فلا تَحِلُّ له مِنْ بَعْدُ حتَّى تَنْكِحَ زوجاً غيرَه‏}‏‏.‏ بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الطَّلاقُ مرَّتان‏}‏‏.‏ وإنّما تنتهي الحرمة وتحلّ للزّوج الأوّل بشروط‏:‏

أ - النّكاح‏:‏

7 - أوّل شروط التّحليل‏:‏ النّكاح، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتّى تَنْكِحَ زَوْجَاً غيرَه‏}‏ فقد نفى حلّ المرأة لمطلّقها ثلاثاً، وحدّ النّفي إلى غاية التّزوّج بزوج آخر‏.‏ والحكم المحدود إلى غاية لا ينتهي قبل وجود الغاية، فلا تنتهي الحرمة قبل التّزوّج، فلا تحلّ للزّوج الأوّل قبله ضرورةً‏.‏ وعلى هذا يخرج ما إذا وطئها إنسان بالزّنى أو بشبهة أنّها لا تحلّ لزوجها لعدم النّكاح‏.‏

ب - صحّة النّكاح‏:‏

8 - يشترط في النّكاح الثّاني لكي تحلّ المرأة للأوّل‏:‏ أن يكون صحيحاً، ولا تحلّ للأوّل إذا كان النّكاح فاسداً، حتّى لو دخل بها، لأنّ النّكاح الفاسد ليس بنكاح حقيقةً، ومطلق النّكاح ينصرف إلى ما هو نكاح حقيقةً‏.‏ ولو كان النّكاح الثّاني مختلفاً في فساده، ودخل بها، لا تحلّ للأوّل عند من يقول بفساده لا قلنا‏.‏

ج - الوطء في الفرج‏:‏

9 - ذهب الجمهور إلى أنّه يشترط مع صحّة الزّواج‏:‏ أن يطأها الزّوج الثّاني في الفرج، فلو وطئها دون الفرج، أو في الدّبر لم تحلّ للأوّل، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم علّق الحلّ على ذوق العسيلة منهما‏.‏ فقال لامرأة رفاعة القرظيّ‏:‏ «أتريدين أن تَرجعي إلى رفاعة‏؟‏ لا، حتّى تَذُوقي عُسَيْلَتَه وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك»‏.‏

ولا يحصل هذا إلاّ بالوطء في الفرج‏.‏ وقال سعيد بن المسيّب‏:‏ تحلّ بنفس العقد، لحمله النّكاح في الآية على العقد دون الجماع، وعامّة العلماء حملوا الآية على الجماع‏.‏

وأدنى الوطء تغييب الحشفة في الفرج، لأنّ أحكام الوطء تتعلّق به، وذلك بشرط الانتشار لأنّ الحكم يتعلّق بذوق العسيلة، ولا تعقل من غير انتشار‏.‏

ولم يشترط الإنزال من الفقهاء إلاّ الحسن البصريّ، فإنّه قال‏:‏ لا تحلّ إلاّ بوطء وإنزال‏.‏ واختلفوا فيما إذا وقع الوطء في وقت غير مباح كحيض أو نفاس، هل يحلّ المرأة أم لا‏؟‏ ذهب أبو حنيفة والشّافعيّ والثّوريّ والأوزاعيّ إلى أنّ الوطء يحلّ المرأة، وإن وقع في وقت غير مباح كحيض أو نفاس، سواء أكان الواطئ بالغاً عاقلاً أم صبيّاً مراهقاً أم مجنوناً، لأنّ وطء الصّبيّ والمجنون يتعلّق به أحكام النّكاح، من المهر والتّحريم، كوطء البالغ العاقل‏.‏ والحنابلة كالجمهور في أنّ وطء المجنون يحلّ المرأة كالعاقل‏.‏ وكذلك الصّغيرة الّتي يجامع مثلها، إذا طلّقها زوجها ثلاثاً، ودخل بها الزّوج الثّاني، حلّت للأوّل، لأنّ وطأها يتعلّق به أحكام الوطء من المهر والتّحريم، كوطء البالغة‏.‏

وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّه يشترط أن يكون الوطء حلالاً ‏(‏مباحاً‏)‏، لأنّ الوطء غير المباح حرام لحقّ اللّه تعالى، فلم يحصل به الإحلال كوطء المرتدّة‏.‏ وبناءً على هذا‏:‏ فلا تحلّ المرأة لزوجها الأوّل إذا جامعها زوجها الثّاني في صوم أو حجّ أو حيض أو اعتكاف‏.‏ كما اشترط المالكيّة أن يكون الواطئ بالغاً، واشترط الحنابلة أن يكون له اثنتا عشرة سنةً، لأنّ من دون البلوغ أو من دون الثّانية عشرة لا يمكنه المجامعة‏.‏

وأمّا الذّمّيّة، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ وطء زوجها الذّمّيّ يحلّها للأوّل، لأنّ النّصرانيّ زوج‏.‏ ولا يحلّها عند مالك وربيعة وابن القاسم‏.‏

الزّواج بشرط التّحليل

10 - من تزوّج مطلّقةً ثلاثاً بشرط صريح في العقد على أن يحلّها لزوجها الأوّل فهو حرام عند الجمهور، مكروه تحريماً عند الحنفيّة، لحديث ابن مسعود‏:‏ «لَعَنَ رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم المحلِّل والمحلَّل له»‏.‏ ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ألا أُخبركم بالتَّيْس المستعار‏؟‏ قالوا‏:‏ بلى يا رسول اللّه‏.‏ قال‏:‏ هو المحلِّل‏.‏ لعن اللّهُ والملِّل المحلَّل له»‏.‏

والنّهي يدلّ على فساد المنهيّ عنه‏.‏

وقد صرّح الجمهور ‏(‏المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة وأبو يوسف من الحنفيّة‏)‏ بفساد هذا النّكاح للحديثين السّابقين، ولأنّ النّكاح بشرط الإحلال في معنى النّكاح المؤقّت، وشرط التّأقيت في النّكاح يفسده، وما دام النّكاح فاسداً فلا يقع به التّحليل، ويؤيّد هذا قول عمر رضي الله عنه‏:‏‏"‏ واللّه لا أوتى بمحلّل ومحلّل له إلاّ رجمتهما ‏"‏‏.‏

وذهب أبو حنيفة وزفر إلى أنّ النّكاح صحيح، وتحلّ للأوّل بعد أن يطلّقها الثّاني وتنتهي عدّتها‏.‏ ويكره للثّاني والأوّل، لأنّ عمومات النّكاح تقتضي الجواز من غير فصل بين ما إذا شرط فيه الإحلال أو لا‏.‏ فكان النّكاح بهذا الشّرط نكاحاً صحيحاً، فيدخل تحت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتّى تنكح زوجاً غيرَه‏}‏ فتنتهي الحرمة عند وجوده، إلاّ أنّه كره النّكاح لهذا الشّرط لغيره، وهو أنّه شرط ينافي المقصود من النّكاح وهو السّكن والتّوالد والتّعفّف، لأنّ ذلك يقف على البقاء والدّوام على النّكاح‏.‏ وقال محمّد‏:‏ النّكاح الثّاني صحيح، ولا تحلّ للأوّل، لأنّ النّكاح عقد مؤبّد، فكان شرط الإحلال استعجال ما أخّره اللّه تعالى لغرض الحلّ، فيبطل الشّرط ويبقى النّكاح صحيحاً، لكن لا يحصل به الغرض‏.‏

الزّواج بقصد التّحليل

11 - ذهب الحنفيّة والشّافعيّة إلى أنّ الزّواج بقصد التّحليل - من غير شرط في العقد - صحيح مع الكراهة عند الشّافعيّة، وتحلّ المرأة بوطء الزّوج الثّاني للأوّل، لأنّ النّيّة بمجرّدها في المعاملات غير معتبرة، فوقع الزّواج صحيحاً لتوافر شرائط الصّحّة في العقد، وتحلّ للأوّل، كما لو نويا التّأقيت وسائر المعاني الفاسدة‏.‏

وذهب المالكيّة والحنابلة إلى أنّ الزّواج بقصد التّحليل - ولو بدون شرط في العقد - باطل، وذلك بأن تواطأ العاقدان على شيء ممّا ذكر قبل العقد، ثمّ عقد الزّواج بذلك القصد، ولا تحلّ المرأة به لزوجها الأوّل، عملاً بقاعدة سدّ الذّرائع‏.‏ ولحديث‏:‏ «لعن اللّه المحلِّل والمحلَّل له»‏.‏

هدم طلقات الأوّل بالزّواج الثّاني

12 - اتّفق الفقهاء على أنّ الزّوج الثّاني يهدم طلاق الزّوج الأوّل إذا كان ثلاثاً، واختلفوا في أنّ الزّوج الثّاني هل يهدم ما دون الثّلاث‏؟‏ وذلك كما إذا تزوّجت قبل الطّلقة الثّالثة، ثمّ طلقت منه، ثمّ رجعت إلى زوجها الأوّل‏.‏ فذهب الجمهور ‏(‏مالك والشّافعيّ وأحمد ومحمّد بن الحسن‏)‏ إلى أنّه لا يهدم، لأنّ هذا شيء يخصّ الثّالثة بالشّرع، فلا يهدم ما دونها‏.‏ وذهب أبو حنيفة إلى أنّه يهدم ما دون الثّلاث، لأنّه لمّا هدم الثّلاث فهو أحرى أن يهدم ما دونها، وبه قال ابن عمر وابن عبّاس وعطاء والنّخعيّ‏.‏

تحلية

التّعريف

1 - التّحلية لغةً‏:‏ إلباس المرأة الحليّ، أو اتّخاذه لها لتلبسه‏.‏ ويقال‏:‏ تحلّت المرأة‏:‏ لبست الحليّ أو اتّخذته‏.‏ وحلّيتها بالتّشديد‏:‏ ألبستها الحليّ، أو اتّخذته لها لتلبسه‏.‏ والتّحلية لا تخرج في معناها الشّرعيّ عن هذا التّعريف‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

تزيين‏:‏

2 - التّزيين من الزّينة، والزّينة اسم جامع لكلّ شيء يتزيّن به‏.‏ فالتّزيّن أعمّ من التّحلية، لتناوله ما ليس حليةً كالاكتحال وتسريح الشّعر والاختضاب‏.‏

الحكم التّكليفيّ

3 - يختلف حكم التّحلية بحسب الأحوال‏.‏

فقد تكون التّحلية واجبةً كستر العورة، وتزيّن الزّوجة لزوجها متى طلب منها ذلك‏.‏

وقد تكون مستحبّةً كتحلّي الرّجل للجمعة والعيدين ومجامع النّاس ولقاء الوفود وخضاب الشّيب للرّجل والمرأة بصفرة أو حمرة كما هو عند الحنفيّة‏.‏

وقد تكون مكروهةً كلبس المعصفر والمزعفر للرّجال كما هو عند الحنفيّة، وخضاب الرّجل يديه ورجليه للتّشبّه بالنّساء عندهم أيضاً‏.‏

وقد تكون حراماً كتحلّي الرّجال بحلية النّساء، وتحلّي النّساء بحلية الرّجال، وكتحلّي الرّجال بالذّهب‏.‏

الإسراف في التّحلية

4 - التّحلية المباحة أو المستحبّة إذا أسرف فيها تصبح محظورةً، وقد تصل إلى مرتبة التّحريم‏.‏ والإسراف‏:‏ هو مجاوزة حدّ الاستواء، فتارةً يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام، وتارةً يكون بمجاوزة الحدّ في الإنفاق، فيكون ممّن قال اللّه تعالى فيهم ‏{‏إنَّ المبذِّرِين كانوا إِخْوانَ الشَّياطينِ‏}‏ والإسراف وضدّه من الإقتار مذمومان، والاستواء هو التّوسّط قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏والّذين إذا أَنفقوا لم يُسْرفوا ولم يَقْتُروا وكان بين ذلك قَوَاماً‏}‏‏.‏

تحلية المحدَّة

5 - المحدّة من النّساء هي‏:‏ المرأة الّتي تترك الزّينة والحليّ والطّيب بعد وفاة زوجها للعدّة، والحداد تركها ذلك‏.‏ وإحدادها في اصطلاح الفقهاء‏:‏ امتناعها عن الزّينة وما في معناها مدّةً مخصوصةً في أحوال مخصوصة حزناً على فراق زوجها، سواء أكان بالموت - وهو بالإجماع - أم بالطّلاق البائن، وهو مذهب الحنفيّة على خلاف‏.‏

6- وقد أجمع الفقهاء على أنّه يحرم على المحدّة أن تستعمل الذّهب بكلّ صوره، فيلزمها نزعه حين تعلم بموت زوجها، لا فرق في ذلك بين الأساور والدّمالج والخواتم، ومثله الحليّ من الجواهر، ويلحق به ما يتّخذ للحلية من غير الذّهب والفضّة كالعاج وغيره‏.‏ وجوّز بعض الفقهاء لبس الحليّ من الفضّة، ولكنّه قول مردود، لعموم النّهي عن لبس الحليّ على المحدّة في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ولا الحليّ» ولأنّ الزّينة تحصل بالفضّة، فحرم عليها لبسها والتّحلّي بها كالذّهب‏.‏ وقصر الغزاليّ الإباحة على لبس الخاتم من الفضّة، لأنّه ليس ممّا تختصّ النّساء بحلّه، ويحرم عليها أن تتحلّى لتتعرّض للخطاب بأيّ وسيلة من الوسائل تلميحاً أو تصريحاً لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما رواه النّسائيّ وأبو داود‏:‏ «ولا تلبس المعصفر من الثّياب ولا الحليّ»‏.‏

التّحلّي في الإحرام

7 - وهو إمّا أن يكون ممّن يريده بحجّ أو عمرة أو ممّن أحرم بهما فعلاً‏.‏

وتحلّي المرأة المحرمة بالذّهب وغيره من الحليّ مباح، سواء أكان سواراً أم غيره، لقول ابن عمر رضي الله عنهما «نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم النّساء في إحرامهنّ عن القفّازين والنّقاب، وما مسّ الورس والزّعفران من الثّياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثّياب، من معصفر أو خزّ أو حليّ»‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ فأمّا الخلخال وما أشبهه من الحليّ مثل السّوار والدّملوج فظاهر كلام الخرقيّ‏:‏ أنّه لا يجوز لبسه‏.‏ وقد قال أحمد‏:‏ المحرمة والمتوفّى عنها زوجها يتركان الطّيب والزّينة، ولهما ما سوى ذلك، وروي عن عطاء‏:‏ أنّه كان يكره للمحرمة الحرير والحليّ‏.‏ وكرهه الثّوريّ وأبو ثور‏.‏ وروي عن قتادة أنّه كان لا يرى بأساً أن تلبس المرأة الخاتم والقرط وهي محرمة، وكره السّوارين والدّملجين والخلخالين‏.‏

وظاهر مذهب أحمد‏:‏ الرّخصة فيه‏.‏ وهو قول ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما وأصحاب الرّأي‏.‏ قال أحمد في رواية حنبل‏:‏ تلبس المحرمة الحليّ والمعصفر‏.‏ وقال عن نافع‏:‏ كان نساء ابن عمر وبناته يلبسن الحليّ والمعصفر وهنّ محرمات لا ينكر ذلك عبد اللّه‏.‏ وروى أحمد في المناسك عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت‏:‏ تلبس المحرمة ما تلبس وهي حلال من خزّها وقزّها وحليّها‏.‏

وقد ذكرنا حديث ابن عمر أنّه سمع النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «ولْتلبس بعد ذلك ما أَحبّت من ألوانِ الثّيابِ من معصفر أو خزّ أو حليّ» قال ابن المنذر‏:‏ لا يجوز المنع منه بغير حجّة، ويحمل كلام أحمد والخرقيّ في المنع على الكراهة لما فيه من الزّينة‏.‏

ولبس خاتم الفضّة للرّجال والنّساء جائز عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة، ولا يجوز عند المالكيّة للرّجل وفيه الفداء، ويجوز للمرأة‏.‏

8- ومن التّحلّي في الإحرام أن يتطيّب في بدنه‏.‏ وهو وإن كان من محظورات الإحرام، لكنّه سنّ استعداداً له عند الجمهور، وكره المالكيّة الإحرام بمطيّب، وندبوه بغيره‏.‏ والتّطيّب في ثوب الإحرام قبل الإحرام منعه الجمهور، وأجازه الشّافعيّة في القول المعتمد عندهم‏.‏ وأمّا بعد الإحرام فإنّ التّحلية بالطّيب وما في معناه هو من محظورات الإحرام، وأمّا لبس المرأة حليّها في الإحرام فلا بأس به ما لم يكن فيه إغراء ر‏:‏ ‏(‏إحرام‏)‏‏.‏

تحمّل

التّعريف

1 - التّحمّل في اللّغة مصدر تحمّل الشّيء أي‏:‏ حمله، ولا يطلق إلاّ على ما في حمله كلفة ومشقّة، يقال‏:‏ رجل حمّال يحمل الكلّ عن النّاس‏.‏

وفي الأثر‏:‏ «لا تحلّ المسألة إلاّ لثلاث منها‏:‏ رجل تحمّل حمالةً عن قوم»‏.‏

وفي تسمية ما قد يطلب من الشّخص الشّهادة فيه تحمّلاً، إشارةً إلى أنّ الشّهادة من أعلى الأمانات الّتي يحتاج حملها إلى كلفة ومشقّة‏.‏ وفي الاصطلاح الشّرعيّ‏:‏ التّحمّل‏:‏ التزام أمر وجب على الغير ابتداءً باختياره، أو قهراً من الشّرع‏.‏

حكمه التّكليفي

2 - التّحمّل يختلف حكمه باختلاف مواضعه، فهو في الشّهادة فرض كفاية، وهو واجب عينيّ على العاقلة في دية الخطأ وشبه العمد‏.‏

أوّلاً‏:‏ تحمّل الشّهادة

3 - اتّفق المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة على أنّ تحمّل الشّهادة فرض كفاية في غير الحدود، كالنّكاح والإقرار بأنواعه، وذلك للحاجة إلى الشّهادة، ولتوقّف انعقاد النّكاح عليها، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يَأْبَ الشّهداءُ إذا ما دُعُوا‏}‏ وسمّوا شهداء باعتبار ما سيئول إليه أمرهم، فإن قام بالتّحمّل العدد المعتبر في الشّهادة سقط الحرج عن الباقين، وإلاّ أثموا جميعاً‏.‏

هذا إذا كانوا كثيرين، فإن لم يكن إلاّ العدد اللّازم للشّهادة تعيّن عليهم‏.‏

الامتناع عن تحمّل الشّهادة‏:‏

4 - إذا دعي المكلّف إلى تحمّل شهادة في نكاح أو دين أو غيره لزمته الإجابة‏.‏ وإن كانت عنده شهادة فدعي إلى أدائها لزمه ذلك‏.‏ فإن قام بالفرض في التّحمّل أو الأداء اثنان سقط الإثم عن الجميع، وإن امتنع الكلّ أثموا، وإنّما يأثم الممتنع إذا لم يكن عليه ضرر، وكانت شهادته تنفع، فإن كان عليه ضرر في التّحمّل أو الأداء، أو كان ممّن لا تقبل شهادته، أو يحتاج إلى التّبذّل في التّزكية ونحوها لم يلزمه، لقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يُضَارَّ كاتِبٌ ولا شَهيدٌ‏}‏ وقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا ضرر ولا ضِرار» ولأنّه لا يلزمه أن يضرّ بنفسه لنفع غيره، وإذا كان ممّن لا تقبل شهادته لم يجب عليه، لأنّ مقصود الشّهادة لا يحصل منه، وهل يأثم بالامتناع إذا وجد غيره ممّن يقوم مقامه‏؟‏ فيه وجهان للحنابلة‏:‏ أحدهما‏:‏ يأثم، لأنّه قد تعيّن بدعائه، ولأنّه منهيّ عن الامتناع بقوله‏:‏ ‏{‏ولا يَأْبَ الشُّهداءُ إذا ما دُعُوا‏}‏‏.‏

والثّاني‏:‏ لا يأثم، لأنّ غيره يقوم مقامه، فلم يتعيّن في حقّه، كما لو لم يدع إليها‏.‏

أخذ الأجرة على التّحمّل‏:‏

5 - ذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى جواز أخذ الأجرة على التّحمّل قولاً واحداً في المذهبين، إن كان التّحمّل فرض كفاية وفيه كلفة، فإن لم يكن فيه كلفة فليس له أخذ الأجرة عليه‏.‏ وإن تعيّن عليه التّحمّل، كأن لم يوجد غيره، فله أخذ الأجرة إن كان في التّحمّل كلفة على الأصحّ في المذهبين‏.‏

وقد اختلفت الأقوال عند الحنابلة في أخذ الأجرة على التّحمّل، فلا يجوز أخذ الأجرة لمن تعيّن عليه، وهو المذهب مطلقاً، ولا لمن لم يتعيّن عليه في أصحّ الوجهين عندهم، والوجه الثّاني‏:‏ يجوز‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز أخذ الأجرة للحاجة، وقيل‏:‏ يجوز مطلقاً‏.‏

أمّا الحنفيّة‏:‏ فتحمّل الشّهادة - وكذلك أداؤها - يجب على الشّاهد إن لم يوجد غيره، لأنّ ذلك يعتبر فرض عين، ولا أجرة للشّاهد‏.‏

تحمّل الشّهادة على الشّهادة‏:‏

6 - لا خلاف بين الفقهاء في جواز الشّهادة على الشّهادة في الأموال، وما يقصد به المال، والأنكحة، والفسوخ، والطّلاق، والرّضاع، والولادة، وعيوب النّساء، وحقوق اللّه عدا الحدود كالزّكاة، ووقف المساجد والجهات العامّة‏.‏

واختلفوا في القصاص وحدّ القذف‏.‏ فذهب المالكيّة والشّافعيّة إلى أنّه يجوز التّحمّل في القصاص وحدّ القذف، لأنّه حقّ آدميّ، وهو مبنيّ على المنازعة، ولا يسقط بالرّجوع عن الإقرار به، ولا يستحبّ السّتر، فأشبه الأموال‏.‏

وعند الحنفيّة والحنابلة لا يجوز التّحمّل في القصاص وحدّ القذف، لأنّ كلّاً منهما عقوبة بدنيّة تدرأ بالشّبهات، وتبنى على الإسقاط، فأشبهت الحدود‏.‏

وهناك شروط لتحمّل الشّهادة على الشّهادة تنظر في مصطلح‏:‏ ‏(‏شهادة‏)‏‏.‏

ثانياً‏:‏ تحمّل العاقلة عن الجاني دية الخطأ، وشبه العمد

7 - اتّفق الفقهاء على أنّ العاقلة تتحمّل دية الخطأ‏.‏ ثمّ اختلفوا على من تجب أوّلاً‏.‏ فذهب الجمهور، وهو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة‏:‏ إلى أنّ دية الخطأ تلزم الجاني ابتداءً، ثمّ تتحمّلها عنه العاقلة‏.‏ والقول الآخر للشّافعيّة‏:‏ تجب ابتداءً على العاقلة‏.‏

وكذلك دية شبه العمد عند الأئمّة الثّلاثة‏:‏ أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد‏.‏ أمّا مالك فلا يثبت شبه العمد في القتل أصلاً‏.‏ واستدلّوا لذلك بقضاء النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالدّية على العاقلة‏.‏ في الحديث المتّفق عليه، وهو‏:‏ «أنّ امرأتين اقتتلتا، فحذفت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ دية جنينها غرّة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها»‏.‏ وكان قتلها شبه عمد، فثبوت ذلك في الخطأ أولى‏.‏ أمّا جهات العاقلة وترتيبهم في التّحمّل فيرجع فيه إلى مصطلح‏:‏ ‏(‏عاقلة‏)‏‏.‏

ثالثاً‏:‏ تحمّل الإمام عن المأموم

8 - لا تجب القراءة على المأموم خلف الإمام، ويتحمّلها عنه الإمام، سواء أكان مسبوقاً أم غير مسبوق عند الأئمّة‏:‏ أبي حنيفة ومالك وأحمد، على خلاف بينهم في حكم قراءته خلف الإمام، من كراهة القراءة عند الحنفيّة سرّاً وجهراً، وعند المالكيّة جهراً، واستحبابها عند الحنابلة‏.‏

وعند الشّافعيّة‏:‏ يتحمّل الإمام عن المأموم قراءة الفاتحة إذا كان مسبوقاً، فأدرك الإمام في الرّكوع، أو في القيام بقدر لا يتّسع لقراءة الفاتحة، كما يتحمّل عنه سهوه في حال اقتدائه‏.‏ أمّا غير المسبوق فلا يتحمّل عنه الإمام القراءة، وتجب عليه على تفصيل يعرف في مصطلح‏:‏ ‏(‏قراءة‏)‏‏.‏ وممّا يتحمّله الإمام عن المأموم أيضاً‏:‏ سجود السّهو، وسجود التّلاوة، والسّترة، لأنّ سترة الإمام سترة لمن خلفه‏.‏

مواطن البحث

9 - يذكر التّحمّل عند الفقهاء في الشّهادات والدّية، وتحمّل الإمام خطأ المأمومين، وتحمّل الحديث‏.‏